الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

197

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للمسلمين الجمعة . فهذا وجه اتصال هذه الآية بالآيات الأربع التي قبلها فكن لهذه الآية تمهيدا وتوطئة . اللام في قوله : لِلصَّلاةِ لام التعليل ، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة ، فعلم أن النداء هنا هو أذان الصلاة . والجمعة بضم الجيم وضم الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز . وبنو عقيل بسكون الميم . والتعريف في الصلاة تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم الجمعة . وقد ثبتت شرعا بالتواتر ثم تقررت بهذه الآية فصار دليل وجوبها في الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة . وكانت صلاة الجمعة مشروعة من أول أيام الهجرة . روي عن ابن سيرين أن الأنصار جمّعوا الجمعة قبل أن يقدم النبي صلى اللّه عليه وسلّم المدينة قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر اللّه ونصلي فيه . وقالوا : إن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة . فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم . وروى البيهقي عن الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمّع الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويتعين أن يكون ذلك قد علم به النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولعلهم بلغهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم حديث فضل يوم الجمعة وأنه يوم المسلمين . فمشروعية صلاة الجمعة والتجميع فيه إجابة من اللّه تعالى رغبة المسلمين مثل إجابته رغبة النبي صلى اللّه عليه وسلّم استقبال الكعبة المذكورة في قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 ] . وأما أول جمعة جمّعها النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال أهل السير : كانت في اليوم الخامس للهجرة لأن رسول اللّه قدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فأقام بقباء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه وقت الجمعة في بطن واد لبني سالم بن عوف كان لهم فيه مسجد ، فجمّع بهم في ذلك المسجد ، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي في « تفسيره » . وقولهم : « فأدركه وقت الجمعة » ، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة يومئذ وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان عازما أن يصليها بالمدينة فضاق عليه الوقت فأداها في مسجد بني